أحمد بن سهل البلخي

401

مصالح الأبدان والأنفس

والحموضات أكثرها مضرّة بالعصب ، وربّما أعقبت الهزال والنحافة ، كما أنّ / أكل الحلو إذا جاد استمراؤه كثيرا ما يورث السّمن والشحم ؛ فينبغي ألا يحمل على الطبيعة بتناول الحموضات وإدمانها ، وأصلحها كلّها / للاستعمال في الأطعمة والأدم الخلّ الجيّد ؛ فإنّ معه من التحليل والتلطيف ما لا يوجد مثله في غيره من الحموضات . وأمّا المالح فإنّه معين على الهضم ، ويعرف ذلك من فعل الملح في الأشياء التي تطيّب « 1 » به ، ويدفع العفونة والفساد عنها ، من المخبوز والمطبوخ . وإذا غلب على طعم الإسفيذباجات ، كان أعون على هضمها واستمرائها ، وقلّل من زهومتها ووخامتها ، وكان تطييبها به خيرا من تطييبها بالأفاويه الحارّة الحادّة التي أخبرنا أنّها يخاف من غائلتها إذا غلبت على الأطعمة . وممّا يدخل في باب صنعة الطعام أن يجتنب أكل الطبيخ الحارّ الذي هو في بقية من غليانه ، فإنّه كالشئ الذي لم يدرك بعد ؛ لأنّ / إدراك المطبوخ إنّما هو بأن تفارقه الأجزاء الناريّة التي تلتهب فيه ، وتسكن أجزاؤه ؛ ولذلك يجب أن تنزل القدر بعد إدراكها ساعة حتى يسكن غليانها تامّا ، فإنّ الطبيخ الحارّ إذا وقع في المعدة إمّا أن يحرق ما يلاقيه من أجزاء المعدة إن صادفها خالية ، أو يشيّط « 2 » إن صادف فيها حاصلا من الغذاء ، ثمّ لا يستقرّ في المعدة لمكان الحرارة التي فيه حتى يفور فيبدّد بذلك أجزاء الطعام ، ولذلك لا يجد الآكل للطعام الحارّ جدّا الشّبع التامّ اللذيذ . وكما لا يجب أن يأكل الطبيخ حارّا ، كذلك لا يجب أن يأكله باردا « 3 » ولا غابّا « 4 » ، فإنّ البارد فاسد ، والغابّ كالشئ العفن .

--> ( 1 ) في ب : تطبّب . ( 2 ) أشاط اللحم : فرّقه ، كشيّطه ( القاموس المحيط ش ي ط 1 / 910 ) . ( 3 ) الأولى أن يقول : وكما يجب ألا يأكل الطبيخ حارّا ، كذلك يجب ألا يأكله باردا . ( 4 ) غبّ الطعام ، فهو غابّ : بات ليلة ، -